تشرفت بالمشاركة مع عدد من الزملاء المحامين والمحكمين في ورشة عمل بعنوان «الاستثمار الجريء» التي نظمها مركز التدريب العدلي بالرياض خلال الفترة من 1 إلى 3 نوفمبر، وفيما يلي أبرز ما استفدته منها:
قطاع آخذ في التوسع
إن الاستثمار الجريء في توسع مستمر، ومن المتوقع أن يزداد في المستقبل تماشياً مع أهداف رؤية المملكة 2030.
مخاطرة عالية تتطلب الوضوح
تواجه المشاريع الريادية صعوبات كبيرة، وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة الفشل تقترب من ٩٠٪. ونظراً لأن الخسارة احتمال قائم، فمن الضروري أن يُبرم المستثمر الملائكي وصاحب الفكرة اتفاقاً تتحدد فيه التوقعات بوضوح بين الطرفين، وهذا ضروري خاصةً وأن المشروع في بدايته لا يتجاوز كونه فكرة.
فراغ تنظيمي وتباين قضائي
لا يوجد تشريع أو تنظيم خاص بالاستثمار الجريء، وتُرجع أحكامه إلى قانون المعاملات المدنية وقانون الشركات، وإلى قانون المعاملات التجارية عند نفاذه. وقد أدى ذلك إلى تباين في الأحكام القضائية: فمنها ما يبطل العقد، ومنها ما يعدّله، ومنها ما يجيزه. والأثر الأكثر خطورة هو الإبطال، لأنه يضعف رغبة المستثمرين في المضي قدماً، مما ينعكس بالتالي على حجم انتشار المشاريع الريادية.
ما هي اتفاقية SAFE؟
اتفاقية SAFE (اتفاقية بسيطة للحصول على أسهم مستقبلية) هي اتفاقية تُبرم بين صاحب الفكرة والمستثمر الملاك. يمتلك صاحب الفكرة مشروعًا على الورق ويرغب في تنفيذه، لكنه يفتقر إلى السيولة اللازمة، بينما يمتلك المستثمر الملاك السيولة المطلوبة. يدفع المستثمر مبلغاً مقدماً مقابل الحصول على أسهم في المستقبل، تُحدد نسبتها عند جولة التمويل القادمة. وتُطرح المشاريع الريادية لجولات تمويل: مرحلة ما قبل البذرة (pre-seed) ومرحلة البذرة (seed) والجولة الأولى (Series A) والجولة الثانية، وهكذا.
اتفاقية SAFE ومسألة الغرر
قد تتضمن اتفاقية SAFE غرراً، والغرر غير مسموح به شرعاً. ومن بين المواضع التي قد تنطوي على الغرر: عدم تحديد عدد الأسهم أو نسبة الملكية عند دفع المبلغ، لأنها تُحدد لاحقاً وفقاً لتقييم الجولة التالية، وعدم وضوح مصير المبلغ في حالة عدم إتمام جولة التمويل أو حدوث خروج. ولذلك ينبغي تجنّبه عند صياغة الاتفاق بين المستثمر وصاحب الفكرة، ويختلف السبيل إلى ذلك حسب طبيعة كل مشروع وحالته.
ومن الأمور التي يُستستدل بها في هذا السياق ما ورد عن ابن تيمية رحمه الله، حيث يستثني من الغرر ما كان مآله إلى العلم أو ما يؤدي إليه، ويضرب مثالاً على ذلك ببيع السلم. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الجهل بمقدار الأسهم وقت التعاقد يتحول إلى علم عند تحقق شرط معروف، وهو الجولة القادمة.
سبل تجنب الغرر
ومن بين سبل تحقيق ذلك وضع حد أدنى وحد أقصى لسقف التقييم أو لنسبة الملكية، وتحديد مهلة أقصى لتحويل المبلغ إلى أسهم، والنص صراحةً على مصير المبلغ في حالة عدم استيفاء الشرط.
الربا: لا خلاف فيه
قد تتضمن بعض هذه الاتفاقيات بنداً يؤدي فيه المبلغ المدفوع من المستثمر إلى فائدة، مما يؤدي إلى الربا. وهو محرم بلا خلاف، لا شرعاً ولا قضاءً في المملكة، وقد يترتب عليه بطلان العقد كله، أو بطلان الشرط وحده مع إبرام العقد.
الاستخدام الصحيح
الصحيح في تقديري أن هذا النوع من الاتفاقيات هو عقد لامتلاك أسهم في المستقبل، وليس عقد تمويل. فالمستثمر لا يتوقع استرداد رأس ماله بل حصة في الملكية، ولا عائدًا ثابتًا له، وهو ما يبعده عن شبهة الربا. وهذا التكييف هو الذي ينبغي أن ينطلق منه المحامي والقاضي والمحكّم.
خلاصة
يتطلب الاستثمار الجريء صياغة تعاقدية دقيقة تنفي الغرر والربا، إلى أن يصدر تنظيم يحسم المسألة ويوحّد الأحكام. ويظل دور المحامي/المستشار القانوني للطرفين، صاحب الفكرة والمستثمر الملائكي، ضروريًّا جدًّا.